الثلاثاء، 22 مارس 2011

الهيكل الفارغ


أتهيّبُ اللحظة القادمة..أعتصرُ خوفاً..أحاول-بيدٍ مرتعشة-أن أتحسّس ما بقي لي من أمل أسميتهُ (مشرقاً) في يومٍ ما..ولكن كيف الوصول؟!

وذلك الجدار الصخري قائمٌ على صدري تحرسهُ أشباح الليل...تفغرُ أفواهها لتبتلع

صمودي ،وينابيع صبري، وبراءة الحلْم الذي وسَّدتهُ شذرات الشعور وزخّات الندى،

حتى أوراقي الصغيرة ومحبرتي الشاحبة المداد لم تسلمْ من رعونتها

مالذي سيُشبعُ شراهة الحقد الأسود في أعماقها؟!

وماذا تبقى مني كي أقدِّمهُ قرباناً لها؟!

لجَّتِ الآلامُ في طغيانها...واستوجبتْ قتلي، وعاهدت قسوةَ الرعد الغشوم على تجريدي من ذاتي

وإبقائي كالهيكل الفارغ لا شيء يملكهُ سوى بعض أنفاسٍ خافتة لا تقوى على مجابهة الفناء..

وعندما حاولت العينُ أن تثُجَّ الدمع رحمةً بي وبها

كان الجليدُ قد غطّى حُطامي المُنهك فتحجَّرت الدمعاتُ على مشارفِ الأهداب الساكنة..

ما عدت أشعر بشئ سوى أنّني أنكمشُ وأتكوّمُ في حجرةٍ حديديّةٍ باردة،

لا صوتَ أسمعهُ سوى صدى أنين خيالاتٍ وآمالٍ قابعةً تحت أنقاض صروحها المزيّفة،

لا أرى إلا أطياف أقنعةِ توالت على ذاكرةٍ مُعذَّبة

وطفلةً صغيرة تطلُّ من نافذة الماضي السحيق التي عشّش فيها الذبول

وترمقني بعينين تملؤهما الشفقةُ و الأسى

ترى من تكون؟!

ترى هل هي.....؟

نعم هي....

يا إلهي..كيف لي أن أذكرَها

وما عدتُ أنا هيَ..

ذات يوم وهبت لي أحلامها البيضاء البريئة وطفولتها الغضّة ظنَّاً منها أن الزمان سيبقى وديعاً حالماً يرأف بعصافيرها النورانية ويدعها تحلِّق في تلك السماء القزحية الألوان..

كانت الحياة لديها تقف عند تخوم حذاء (السندريلا) وبيت الأقزام السبعة وحكايات شهرزاد ولياليها المسحورة وذلك الفارس الشجاع الذي أنقذ الأميرة الحسناء من قبضة الغول الشرير..

لم تكن تدري أن أشباه الآدميين قد استوطنوا عالمنا وسيسحقون زهور حديقتها بأقدامهم الملوّثة بوحل الحقد والضيم

وأنّها ستكبر في يومٍ ما لترى ملامح الحياة المُضمَّخة بلون الدماء..

لم تعلم أنهم قد أحرقوا الحذاء وقصفوا بيت الأقزام وذبحوا الشهرزاد واغتالوا الفارس في بدايات الطريق،

أمّا الأميرةُ فقد ماتت كمداً..ولم يبق لنا سوى قهقهاتِ الغول الساخرة..تصعق آذاننا..وتعربدُ في حنايا نفوسنا

كم تمنيت لو آخذُها إلى صدري فأضمُّها وأقبِّلُ وجنتيها وأطلب منها الصفح والغفران...فلم أستطعْ..

فما كانت سوى طيفٍ بعيد

وما كنتُ سوى هيكلٍ فارغ


الاثنين، 7 مارس 2011

ارحل متى شئت الرحيلْ..


ارحل متى شئت الرحيلْ

واشططْ بخطوك كيفما شاء المسيرْ

واستغنِ عن درب الشموس بحلكة الدرب الضريرْ

يا من تسافر في الدماءِ

وتعتلي عرش الكيانْ

يا من غسلت بعطرك الأسيانِ أوردة الزمانْ

وزرعت نبضك في الفؤادِ جنانَ عشقٍ خالدٍ

حمَلتْه أجنحةُ السماءْ

وسكبت بالأعماق أطياب النقاءْ

وجعلتني أشدو بألحان الحنين فتعبر الأمداءَ نحوكَ

ترتجي فجر اللقاءْ

يا سيدي..

يا رحلة الصبر التي في دربها رفَّتْ رياحينُ الغدِ

أتظنُّ أنّك بالرحيل ستوصد الأحلامَ

والباب المعتَّقَ بالأملْ؟!

ذاك الذي فتحته لي عيناك في سجف الرؤى

لأرى بريقهما المُطِلْ

يَنداح في صدري

يُعشِّشُ في جزيئاتي

ويسلبني من الذّاتِ

وينفي الهدبَ عن ميناء هجعاتي

فقلْ لي كيف يخبو الطيفُ في ساح المُقلْ؟!

أو كيف تسلو الروحُ مسراك الخضِلْ؟!

ارحلْ فما دامت نجومي تستمدُّ بقاءَها من نور طيفكَ

لن تغيبْ

ما دامت الأيام عاكفةً على شوق الثواني للحياة..فلن تغيبْ

ما دامت الأرواح صامدةً بوجه الظلمِ تسبق

شوقها نحو الشواهق...لن تغيبْ

يا كلَّ أنسجة الحياة بنبضة القلب المشوقْ

يا دفء أحلامي

وغاية ثورة الوجد الدفوقْ

إنْ كنت لا تدري بآلامي..فهاك الشعرُ طفل مواجدي

يروي حكاية مُهجةٍ بثَّتْ بها الأشواقُ روح تهجُّدِ

الآن فلترحلْ..

لتبقى الصورةُ البكماء تحويني

لأشكو ظلم صاحبها إلى ليلي..فتبكيني

سأقضي غربتي كَبَداً

سأطوي شهقتي كَمَدَاً

أناجيك التياعاً في سكون توحُّدي

ارحلْ متى شئت الرحيلْ

واتركْ لقلبي زفرة الصبر الجميلْ

يوماً ستأتي بعدما..

تطفو الجراحُ على مسامات السبيلْ

فتعجُّ أرضُك بالعناءِ

تدقُّ أجراس الذبولْ

يا ويلها نجماتي الولهى إذ اجترحتْ بحضن الشوق آثام الأفولْ

يا ويلها مدني إذ التحفتْ ثياب الكبرياءِ الزائفِ

الواهي الكذوبْ

لكنّه القدر المَهيبْ

يوماً ستوقن أنّني..

كنت الأمان وكنت ترياق النجاهْ

كنت الربيع يردُّ عنك حرارة الآه التي نفثتْ

بصدري-يا أنا- قهر الحياهْ

ماكنت إلا نبع عشقٍ ساقهُ قدري إليكْ

هل كان ذنباً يا تُرى خوفي عليكْ؟!

أدميت لحني..

والفراق نواجذٌ فتكتْ بقلبٍ كان يحلم بالوثوبِ

من الضلوع إلى يديكْ

ستعود حتْماً

تنثر الأشواق نغْماً

في مسامع وحشتي

تطوي بفيض جمال روحك غربتي

ستعود يا عمري وفي عينيك نورٌ

من أقاصي الشوق جاءَ ليستريحَ بروضتي

يا سيِّدَ الحلْمِ الأسيلْ..

فارحلْ متى شئت الرحيلْ

ارحلْ متى شئت الرحيلْ