الاثنين، 29 ديسمبر، 2014

ولنا في الشعر حياة..2


عودة لأبي القاسم الشابي في أبياته:

يودُّ الفتى لو خاض عاصفة الرّدى
                 وصَدَّ الخَميس المَجْرَ والأسدَ الورْدَا
ليدركَ أمجاد الحروب ،ولو درى
                                                حقيقتَها ما رامَ من بينها مَجْدا
فما المجدُ في أن تُسكرَ الأرضَ بالدِّما
                      وتركبَ في هَيْجائها فَرَساً نَهْدا
 ولكنّهُ في أن تَصدَّ بِهمةٍ
           عن العالم المَرزوءِ ،فيضَ الأسى صَدّا

ماذا لو لم نعرفُ الحروبَ يوماً؟!..ماذا لو لم يطمعُ أحدٌ في حقِّ أحد..وعاش الناسُ على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم وتوجهاتهم في أمنٍ وسلام..وغاب ذلك الجحيم الأسود المُسمّى بالحرب عن حياتنا وتاريخنا!!

فالحروب على مدى التاريخ كانت سبباً رئيسيّاً في انتشار الفقر والتشرد والمرض والجهل ،والكراهية العمياء..

لو كانت الأموال التي أنفقها العالم ومازال يُنفقها العالم على صناعة السلاح وتطويرِه قد وُجِّهَت لإغاثة المنكوبين والفقراء والمرضى..لما عانت البشرية على مدار تاريخها ،أو على الأقل تخفيف حدة تلك المُعاناة..

إن من يطمع في حقٍّ ليس حقّه ،أو أرضٍ ليست أرضَه..إنما هو نفسهُ لا يريد العيش بسلام..فيجلب الشرَّ على نفسِهِ وعلى من حوله..لكن طالما أن الشرَّ غريزةٌ مُتأصلةٌ في أعماق النفس البشرية منذ الأزل..فلا جدوى لمثل هذا الكلام!!

فمازالت هناك شعوبٌ تموتُ جوعاً..وأخرى تتباهى بتقدمها العسكريّ..وهذه هي الفكرة التي تناولها الشابي هنا بأسلوبٍ رومنطيقيٍّ يبتعد كثيراً عن المنطق..مع تأييدنا للمبدأ والفكرة..لأن المنطق يقول: طالما تواجد الشر واستفحل يجب ردعه بكلِّ الوسائل الممكنة..وأن الإنسان الشريف لا يمكن أن يسكت عن حقِّهِ المسلوب..

ولكن من وجهة نظر الشابي أن هناك ما هو أشرف وأقدس من مواجهة الموت في ساحة المعارك وهو دفع الكوارث والأذى عن المرزوئين في العالم..وجملة (العالم المرزوء) تدل على وجوب صدِّ الأسى عنهم بغضِّ النظر عن جنسهم وديانتهم وانتمائهم..وفقاً لقوانين الإنسانية الرّفيعة..وليست الرديئة التي نعيش فيها اليوم..

ولكني أعتقد أن هناك ردّاً مقبولاً على الشابي في هذا الأمر: وهوأننا قد نضطر لسلك طريق الحرب عندما تكون هي الوسيلة الوحيدة المتاحة لصدِّ الأسى ودفع الظلم..

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ
شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ
وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُون"  سورة البقرة 216



*معاني الكلمات*

الخميس: الجيش المُؤلف من خمسة فِرق

المَجْر: الجيش العظيم

الوَرْد: الأسد الشجاع

الفرس النَهْد: الجميل المُشرِّف

ندى