الأربعاء، 21 سبتمبر، 2016

والروحُ قربَ الروح..




والروحُ قربَ الروح..لا تحزنْ فها
 كَ خميلتي... حِضناً يُظلِّلُ مَنِزلَكْ

قبِّلْ عصافير الصباح..وضمّها
قد هيّأتْ من دفء عِطري موئِلًكْ

صافحْ ترانيمَ المساءِ..فقد سَرَت
ناياتُها عبر الدروبِ..تبوحُ لكْ  

واركضْ مع الملكوتِ طِفلاً حالماً
حُلم البَنَفسَج فيكَ...خيراً أَوّلَكْ

وتعالَ بدِّدْ لوعةَ المرفوعِ ضمّـ
ـاً نحوَ أقمارٍ تُزيِّنُ مَحْفَلَكْ

وخذِ الحنينَ جَناحَ طيرٍ إنْ رآكَ
مُلوِّحَاً يُهوِي إليكَ ليحمِلَكْ

ندى

الاثنين، 15 أغسطس، 2016

رسائل إلى رجل المرايا (الرسالة الأولى)



عزيزي (رَجُل المرايا)..

تحيّة طيبة وبعد،،

 


هل جربت التحليق من قبل ؟!! هل حطمت الجدران الحائلة بينكَ وبين نفسك ؟!
هل كسرت القواعد والتقاليد ذات مرةٍ لتقول للعالم ها أنا ذا...لم تفعل!! وربما لن تفعل..
فأنتَ تمتلك النوايا والأبجديّات فقط لكنك لا تملك القرار ،الحياة يا صديقي كالخاتم الذهبيّ حول أصابعنا يحمل الكثير من الأمنيات والسعادة لكن في الكثير من الأوقات يضيق فيمنع الدماء عن الشرايين..!
كثيراً أفكر فيما لو كنا أسماكاً أو طيوراً أو مجرد نباتاتٍ صغيرة تنمو عند سفوح الجبال..كنا سنصبح أكثر حريّة وسعادة..أليس كذلك؟!
أتدري أن هذه الكائنات رغم فقدانها لنعمة العقل أكثر فائدة من آلاف البشر الذين يضعون عقولهم تحت أرجلهم..أو يُجَرُّون كالأغبياء وراء أي صنمٍ يُتاجر بعقولهم الرثّة  في أسواق السلطة والجبروت ،إنني مُحتاجةٌ يا صديقي إلى حضنٍ كونيّ يحميني من دوائر الإحباط والشكِّ والقلق..أحتاجُ للتحليق والذهاب بعيداً حيث يمكنني رؤية بُعدٍ آخرَ للحياة..بلا أوجاع ،بالتأكيد سأراه يوماً عندما يكون باستطاعتي السخرية من كلِّ شيء والضحك في وجه أشباحنا السوداء لا الخوفَ منها..
إنني اليوم أنتفضُ من أجل بناء تاريخٍ جديد..يحمل سفينتي الضائعة إلى جزيرة الشمس ،أنتَ تدري كم أنني بحاجةٍ للضوء..للرحيق..للحياة..فرحلة الفراشة قصيرة وليس من العدل أن تبقى داخل أسوار الخفافيش .
إن مرارة الخوف التي نعانيها سببُها هذا المجهول الذي ننتظره فيأكلُ سنواتنا في نَهم ،،لماذا نتركُ لهُ بقيّةَ العمر وليمةً شهيّة؟!! أليس بمقدورنا أن ننزعَ أنيابَهُ ونُعيرُه ابتساماتنا حتى وإن كنا غير قادرين على الإبتسام ،بعض المُخاطرة يا صديقي مطلوبة كي نشعر أننا مازلنا نحيا..مازلنا آدميين..فأنا لا أعلم من أين سيأتينا الموتُ ،ولكني أعلم من أين نبتدئ الحياة..فهلّا ابتدأناها الآن؟!!!

ندى نصر
8-2016

الجمعة، 8 أبريل، 2016

حول رواية الشيطان والآنسة بريم لباولو كويلو

 
 
عندما تقرأ لـ (باولو كويلو) عليك أن تتأمل بعمق تحليله الدقيق للطبيعة البشريّة..في هذه الرواية التي تحلل جانبي الخير والشر في الإنسان سؤالٌ مهم أعتقد أنه محور الرواية:  هل نحن أخيار بالفطرة أم أننا نفعل الخير لأننا نخشى العقاب سواء الدنيوي أو الأخروي؟! وتختلف الناس بالطبع في مقدار هذا الخوف تبعاً للبيئة وظروف النشأة وخلافه.
تقوم أحداث الرواية حول النادلة (شانتال بريم) التي تعمل وتقيم في حانة الفندق الوحيد في قرية (بسكوس) الصغيرة التي يبلغ تعدادها مائتان وواحد وثمانون شخصاً و(الغريب) الرجل الغامض ذو الماضي المؤلم الذي وجد في القرية المكان الملائم لإثبات أن البشر أشرارٌ بطبيعتهم ،فجاء إلى القرية حاملاً معه إحدى عشر سبيكة ذهبية من الممكن أن تحل أزمات (بسكوس) كلها شريطة أن يختار سكانها واحداً منهم ليقتلوه مقابل حصولهم على السبائك وقد استغل (شانتال) في تنفيذ خطته الشيطانيّة ووعدها بأن تكون لها إحدى السبائك إذا نجحت في تنفيذ مهمتها.
(بسكوس) مدينة صغيرة فقيرة مهددة بالزوال لعدم وجود أطفالٍ بها لأن الجيل الجديد نزح إلى المدن بحثاً عن حياة أفضل ،سكانها طيبون بسطاء لا تتملكهم المطامع لكن الغريب عزم على إثبات عكس ذلك.
هذه الفكرة هي معضلة الرواية :هل يمكن للشخص البسيط الطيب أن يصبح قاتلاً أمام إغراء المال؟! ولماذا هو طيب؟ هل لأن الطيبة هي فطرته الحقيقية أم أنه يخشى ارتكاب الشر خوفاً من العقاب؟! (كل منا يحمل مشنقةً في أعماقه)* .
يحاول (كويلو)  الرد على هذه الأسئلة من خلال ثلاث صراعات رئيسية في الرواية:
أولاً: الصراع الذي تعيشه (شانتال) مع نفسها وشيطانها كونها أُرغمت على مشاركة الغريب في لعبته .
ثانياً: الصراع الذي يعيشه (الغريب) مع خوفه من فشل مهمته وإثبات عكس ما يتوقع بوجود أناسٍ صالحين.
ثالثاً: الصراع الذي عاشته (بسكوس) ما بين ترددهم في قبول أو رفض الفكرة مع محاولاتهم القوية لوضع مبررات القبول.
ثم يأتي دور الدين الذي يُمثله كاهن القرية ويضع الناس على عكس المتوقع على طريق الشر ليخوضوا التجربة بأنفسهم ويستشعروا مدى فداحة الجريمة..فربما يجب أن يرتكب الإنسان شرّاً ما في حياته كي يدرك قيمة الخير.
من الرائع أن تقرأ رواية ولا تستطيع توقع نهايتها..بالفعل لم أستطع توقع من المنتصر الخير أم الشر ،ولو أن النهاية لم تكن مُقنعة بالنسبة لي كثيراً ،من وجهة نظري أرى أن الإنسان قد خُلق وبداخلهِ الخير والشر معاً ولكن يطغى إحداهما على الآخر مع مرور الوقت ومادام قد خُلق الإنسان ناقصاً فستظل نوازع الشر تتملكه كـ( الإنتقام ،الحقد ،الحسد ، الخبث...وغيرها) ولا يمكن ردعها إلا بقوة الإيمان ورسوخ الفضيلة.
*مقتبسات
-في البدء لا تصدِّقي الوعود فالعالم مليءٌ بها: ثراء..خلاصٌ أبديّ ،حبٌّ سرمديّ. يعتقد بعض الأشخاص بأنهم جديرون بإغداق الوعود ،ويتقبل البعض الآخرأي شيءٍ يضمن لهم أياماً أفضل. فالذين يعدون ولا يفون يشعرون بالعجز والكبت ،وينسحب الأمر ذاته على من يتشبّثون بالوعود.
-لقد اكتشفت إننا إذا ابتلينا بالغواية فسوف نستسلم بالتأكيد. والبشر مُهيّئون إذا اقتضى الأمر لارتكاب الشر.
-إن البشر يريدون تغيير كل شيء ويتمنون في الوقت عينه أن يبقى كل شيء على منواله.
-ليست الرغبة في الخضوع للقوانين هي التي تلزم الجميع بما يفرضه المجتمع، بل الخوف من العقاب ، كل منا يحمل مشنقةً في أعماقه.
-منذ متى يمكن الركون إلى وعود السياسيين؟!!
 
ندى
8-4-2016
 

الجمعة، 8 يناير، 2016

في الغابة المحمومة الأمطار...



في الغابة المحمومة الأمطارِ
كفُّ الشمس لا يُعطيْ...
وأنفاسُ الصباحِ يَعوقُها شبحُ الغَرَقْ
والكوخُ مُستلقٍ على شفة الرياحِ
يضمُّهُ نهرٌ رماديُّ المرايا......

ترقصُ الذكرى على أنقاض لهفتِهِ
،وتبدو في ملامِحِهِ المُسِنَّةِ بعضُ بأسٍ
يستردُّ بِهِ الرّمقْ
،والكوخُ في قلبي وفي نفسي
وفي الأقلامِ والأنغامِ
..في دمع الصبايا
..في بلادٍ حرّمت صوتَ البلابلِ
،أوقفت نبضَ الوَرَقْ
 
ندى
31-12-2015





السبت، 15 أغسطس، 2015

لو أن..

لو أن لي بيتاً صغيراً على حافة نهرٍ وسط غابةٍ تملؤها الطيور..لو أن الحياة تُقصيني قليلاً عن سخافاتها وتُرسلني إلى الفجر الذي لم يأتِ بعد..لو أن بإمكاننا أن نحمل الشجرَ على أعتاقنا ونرحل به إلى كوكبٍ آخر..أو أن لأوجاع الأرض مقبرةً تنامُ فيها للأبد..!

 ندى
 ١٦-٨-٢٠١٥

الأحد، 9 أغسطس، 2015

مازلت أبحث في المدى..



مازلت أبحث في المدى عن كوكب النسيانِ
 عن ليلٍ طويلٍ لا يملُّ الذكرياتْ
 عن بعض بعضي إذ يتوهُ مع السديمِ
 وينتهي في اللاحياةْ
 عن رحلة الماضي 
وأيامي التي قد خبّأتني
 بين أشجان القصيدِ وحشرجات الأغنياتْ
 عن طفلةٍ كانت تغرِّد ها هنا
 و (التوتةُ) الشمّاءُ تسمعها
وتحضنها كما طيرٍ صغيرٍ
 لا يعي كبت المشاعر والشتاتْ
 جسداً ثقيلاً كان حلمي
 قد تغَشّتهُ المنيّةُ
 فاستراح إلى الثرى جَذِل الرفاتْ

 ندى
 ٩-٨-٢٠١٥













الجمعة، 26 يونيو، 2015

ولنا في الشعر حياة..3





يقول الإمام الشافعيّ:

ما في الــمُقامِ لـذي عـــــقـلٍ وذي أدبٍ
من راحـــــــة فـدع الأوطـانَ واغتـربِ
ســـــــافر تجـدْ عوضـاً عمـّن تـفارقـُهُ
وانـصبْ فإن لذيذ العيش في النصـبِ
إني رأيـت وقـــوف الــمـاء يفســــدهُ
إن ساح طاب وإن لم يجـرِ لم يـطــبِ
والأُسْدُ لولا فراقُ الأرض ما افترست
والسهمُ لولا فراقُ القـوس لم يصـبِ
والشمسُ لو وقفت في الفلك دائمـةً
ًلملّها الناسُ من عــجـمٍ ومـن عــــربِ
والـبدرُ لــولا أفــــولٌ منه ما نظرت
إليه في كـــل حــينٍ عــينُ مــرتقــبِ
والــتِّبرُ كالــتربِ ملقـيً فـي أمــاكنِـهِ
والعــودُ في أرضــهِ نـــوعٌ من الحطـبِ
فــإن تــغـــرّب هـذ ا عـزّ مــطلـــبـُهُ
وإن تــغــــرّب ذلـك عــــــــزّ كالـذهـبِ

الغربة ملاذٌ لكل من أراد الهروب..نهرب أحياناً كي نستعيد أنفسنا وكي نذكِّرَ الآخرين بأن كان لنا وجودٌ يوماً ما بينهم..نبتعد كي نترك الفراغ الذي تزداد قيمتنا الحقيقية باتساعه.
يموت أحدهم نكون قد عرفناه ليومٍ أو اثنين..يموت فجأةً فنحزن وربما نبكي ،في الحقيقة نحن لا نبكي الشخص بل نبكي ذلك الفراغ الذي يتركه لأننا لن نراه ثانيةً..لن نسمع ضحكته..لن نمزح معه ولن نستثقل ظلّهُ بعد الآن ! يموت الإنسان أو يغترب ولا يدري أنه بوجوده يصنع وجود أُناسٍ آخرين.
يكون الإغترابُ قهريّاً أو مقصوداً..نقصده أحياناً هرباً من المرايا التي تُحاصرنا والتي نرى فيها حزننا وغضبنا وماضينا وأحلامنا الضائعة..الإمام الشافعيّ أدرك هذه الحقيقة في تلك الأبيات فدعا للسفر وتغيير البيئة كي تتبدل الأحوال للأفضل..سافر وحدك وستجد من يعوّضك عمّن فارقت ،وهنا السؤال: هل يجد الإنسان عوضاً عن أهله وأحبابهِ إذا فارقهم؟!
وضع اللهٌ عزّ وجل في الإنسان القدرة على التكيف مع البيئات المختلفة..ولم نسمع أن أحدهم قد مات لأنه فارق أهله ورحل إلى بلدٍ آخر..صحيحٌ أن آلام الفراق موجعة وقاسية لكن حينما يُجبر الإنسان على الرحيل فإنه يرحل تاركاً وراءهُ كل شيء ،ولذا أتبع الإمامُ الشافعيّ السفر والفراق بالنصَبِ والتعب (وانـصبْ فإن لذيذ العيش في النصـبِ) فمتعة الحياة الحقيقية في المُكابدة والإجتهاد ليس في الراحة والطمأنينة بالقرب من الأهل..ولأن السفر من وجهة نظره طلبٌ للرزق والعلم كما يقول في أبياتٍ أخرى:
تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطَانِ فِيْ طَلَبِ العُلَى
وسافِرْ ففي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِـدِ

تَفَرُّجُ هَـمٍّ، واكتِسَـابُ مَعِيْشَـةٍ 
وَعِلْمٌ ، وآدابٌ، وصُحْبَـةُ مَاجِـدِ

فإن قيلَ في الأَسفـارِ ذُلٌّ ومِحْنَـةٌ 
وَقَطْعُ الفيافي وارتكـاب الشَّدائِـدِ

فَمَوْتُ الفتـى خيْـرٌ له مِنْ قِيامِـهِ 
بِدَارِ هَـوَانٍ بيـن واشٍ وَحَاسِـدِ 

 يبدو أن الإمام الشافعيّ كان متحيّزاً للسفر والإرتحال بحكم حياته التي امتلأت بالأسفار والتنقلات ،فقد وُلد في غزة على أغلب الأقاويل ثم ارتحل إلى مكة ومنها إلى المدينة المنورة ثم إلى اليمن وبغداد ومصر..وكانت أسفارُهُ إما لطلب العلم أو لنشره. 
 الأبيات في الأعلى رغم مباشرة الفكرة وسلاسة عرضها..إلا أنها تتمتع بعمق التجربة والنظرة الشمولية لفكرة السفر وما يترتب عليها من تحسن أحوال الإنسان..ولكن من هو الإنسان المعنيّ في هذه الأبيات؟ إنه الإنسان ذو العقل والأدب الذي لا يجد الراحة والكرامة في وطنه ،والبيت الأول يُذكِّرنا بالعبارة الإنجيلية (لا كرامة لنبيٍّ في وطنه)..وبرغم مرور تلك القرون العديدة على هذه الأبيات إلا أننا نعيشها حقيقةً واقعة حتى الآن..يُهاجر أحدهم فيعلو شأنه ويُبهر العالم بعلمه ومُنجزاته في حين أنه لو بقي في بلده ربما لن يسمع عنه أحد ولن يُساوي شيئاً يُذكر. وإذا فرضنا أن هذا هو الترتيب الصحيح للأبيات فعلى ما أظن أنه هو الترتيب الأقرب إلى المنطق ،لأن الشافعيّ أدرك كم المفاجأة الصادمة في البيت الأول من دعوته الصريحة (فدعِ الأوطان واغتربِ) وأول ما يتبادر للذهن مفارقة الأهل والأحباب وهذا ليس بالأمر الهيِّن ،والأمر الثاني هو التعب وضياع العمر في الغربة..لنجد الشافعيّ في البيت الثاني يأتي بجملة طلب شرطية (سافرْ تجدْ عِوضاً عمّن تُفارقُهُ) والجملة تحمل تأكيداً وتطميناً عجيباً وكأنّ وجود البديل عن الأهل أمراً واقعاً لا محالة! ثم تخفت حدّة الخطاب في الشطرة الثانية للبيت (وانصبْ فإنّ لذيذ العيش في النصبِ) ليبدأ الشافعيّ بفعل الأمر (وانصب) ثم يغري المُتلقي بلذيذ العيش عن طريق الجملة الخبرية البسيطة (إن لذيذ العيشِ في النصبِ)، ونلاحظ أن الجناس الإشتقاقي بين (وانصب) و (النصبِ) الفعل ومصدره أعطى براحاً واسعاً لتعميق الفكرة وتوكيدها.
الإمام الشافعيّ حشد عدةً من الرموز الكونية في الأبيات ليعطينا دِلالةً واضحة على أن الكون قائم على الحركة الدائمة وقد استغل هذا الناموس الكونيّ لتدعيم فكرته عن السفر بما أنه حركةٌ وتنقلٌ مستمر..فقد ضرب لنا مثلاً بالماء الذي يأسن ويتعفن إذا ظلّ راكداً..أما على اليابسة فقد ضرب المثل بالحيوان (الأُسد) التي لو ظلت في أماكنها دون سعي وحركة لما افترست ولماتت جوعاً ،والنبات (العود) الذي هو في الأصل نوعٌ من خشب الأشجار طيب الرائحة وإن بقي على أصلهِ سيكون حطباً لا قيمة له ،والتراب الذي يتكون في أحشائه حجارة يُستخرجُ منها التِّبر (الذهب) ولو بقيت في أماكنها لما استفاد منها أحد. أما السماء فقد ضرب المثل بأقوى رموزها تأثيراً على حياة البشر (الشمس والقمر)..يقول اللهُ عزّ وجل
 ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[سورة آل عمران]
وهكذا فإن الإنسان لا يستطيع العيش في نهارٍ دائمٍ أو في ليلٍ دائمٍ..إذن ففي تعاقب الليل والنهار رحمة بالبشر وتخفيفٌ عنهم لما في الطبيعة البشرية من السأم والملل والضيق..حتى أن القمر قدّره اللهُ منازل ويتغير شكلُه في السماء بحسبها فتشتاق العيون لرؤيتهِ بدراً.
 جديرٌ بالقول أن كل الرموز الذي استشهد بها الشافعيّ هي مخلوقات من صنع الله عزّ وجل..لكنه استشهد بأداةٍ وحيدة استخدمها الإنسان كأداة حربٍ وقنص وهي السهم الذي لا يُصيب هدفه إلا إذا تحرّر من قبضة قوسه وأعتقد أن هذه هي الدلالة الأضعف في الأبيات من وجهة نظري ولم تخدم الفكرة كثيراً كالدِّلالات السابقة..أو أن صوتها الدلاليّ خفت لكونها أداة بسيطة من صنع الإنسان في مقابل هذا الكم من الرموز الكونية..لكن أستطيع القول أن الشافعيّ أراد تدعيم فكرته بنظرة شمولية للعالم من حوله في ذلك الزمان البعيد.
 في النهاية أقول أنه كلما اتسع الفراغ الذي تركته خلفك كلما زادت قيمتك ،وهذا ما أراد أن يوصله لنا الإمام الشافعيّ في أبياته.

*هامش
النصب:التعب
التِّبر:الذهب قبل صياغته

ندى
26-6-2015