الثلاثاء، 16 ديسمبر، 2014

رحلة في رواية (سانين)


كان من المُفترض أن أكتبَ عن هذه الرواية قبل أكثر من أسبوعين ،ولكنّه الكسل الذي يُبعدني من آنٍ لآخر عن الكتابة وانفعالاتها المُتعدِّدة ..وهو ليس الكسل بمفهومه المعروف..وإنما هو كسل الإستجابة لكلِّ ما هو مثيرٌ للعقل والجدل...
وتلك الرواية رغم أنها لم تترك أثراً كبيراً في نفسي ولكن ما دفعني للكتابة حولها هو كونها جدليّة ومُثيرة للتساؤلات.

بِدايةً سأعطي تنويهاً مُختصراً عن المؤلف:

 ميخائيل بتروفتش أرتزيباشيف..وهو روائي وكاتب مسرحي روسي..عمل في بداياته كصحفي حر..وقام بنشر عدة قصص فُكاهية..وكان وقتها يقطن بسانت بطرسبرج ولكنه طُرِد منها في عام 1901بسبب اشتراكه في المظاهرات والتي سبقت اندلاع الثورة الروسية في عام 1905 ،وكانت أولى أعماله المُهمة قصة بعنوان (تومانوف باشا) كتبها في عام 1901 ولم يستطع نشرها حتى عام 1905 بسبب موانع رقابية..ولكن نجاحه الحقيقيّ كان في روايته (سانين) والتي كانت بمثابة الصدمة لدى القرّاء الروس..وقد مُنعت في العديد من الأقطار ،وقد كتبها في عام 1903 وأيضاً لم تُنشَر إلا في عام 1907 بسبب الرقابة..ذلك أن الرواية دارت حول فلسفة الفوضوية الفردية...
ومن أقواله عن الأدب:
إن الفكرة الواضحة الملموسة ذات الحس السليم والتماسك والحُجّة هي التي تُشكِّل حبكة العمل..وأنا أُطالب العمل الأدبي بالوضوح والواقعية ،والتقييم المدروس لكل الظواهر المطروحة في الرواية.
وكان معروفاً عن أرتزيباشيف مُعاداته للنظام البلشفي في روسيا وقد تُوفي في عام 1927.

عن الرواية :
ترجم الرواية الشاعر والكاتب المصري إبراهيم عبد القادر المازني..

الرواية وإن سُمِّيت باسم بطلها الرئيسي (سانين) ولكني أرى أن هناك أكثر من شخصية تقاسمت معه البطولة وربما كان لها تأثير أكبر في الرواية..لكن (سانين) كان منفرداً عن بقية الشخصيات بفلسفته الخاصة ،فهو لا يعبأ بالمبادئ..يعتقد أن أخلص الناس هم الذين يعبِّرون عن رغباتهم وإن كانت دنيئة..ويرى أن الحياة لا تستحق المُعاناة والتعذيب ،فهي لديه مجرد لذة عابرة...! وهو أيضاً لا يهتم بالمظاهر ولا بالتقاليد الإجتماعية.

الرواية بها تنوع رائع في الشخصيات..فكل شخصية مختلفة تماماً عن الأخرى..فهناك شخصية (ليدا) وهي شقيقة (سانين)..مغرورة بجمالها..تحب النزهات والمرح والإطراء من الرجال..أما (سارودين) فهو ضابط بالجيش يرى في نفسه الذكاء والعظمة والجاذبية وهو من عشاق ليدا.....وهما أكثر شخصيتين تافهتين في الرواية..فهما من هؤلاء الذين يهتمون بالمظهر أكثر من الجوهر..وأهدافهما في الحياة لا تتعدى نزواتهما العابرة...يُضاف إليهما شخصية ثانوية وهي (أناتول ريزانتزيف) وهو أيضاً طبيب يدّعي الوقار والإستقامة إلى أن يُكتشف عكس ذلك...

أما الشخصيات المُعقّدة صاحبة القضية فتمثّلت في (يوري سفاروجتش) فهو دائم البحث عن سر الحياة والوجود..كثير التساؤل..يتعذّب بشخصيته المُتناقضة الرافضة لكل ما حولها..دائم القلق والإنشغال بالموت...وأيضاً شخصية (سمينوف) وهو طالب..مُتمرد وثوري..يشعر بقرب نهايته دائماً لمرضهِ بالسل..وله فلسفته الخاصة في الحياة...و(سينا كرسافينا) وهي مُدرِّسة وشاعرة..هادئة الطبع ومُثقفة ولكن ذلك لم يمنع وجود سذاجة الفتيات في شخصيتها..فبرغم حبها لـ (يوري) إلا أنها كانت تُكِّن الإعجاب لـ (سانين)
 ،والشخصية السلبية فكانت شخصية (نوفيكوف) الطبيب صاحب الذكاء الإجتماعي المحدود..والثقة القليلة في النفس..وليس لديه القدرة على اتخاذ القرارات..يحب (ليدا) ولكنها لا تبادله الحب
، والشخصية الأكثر كآبة وتشاؤم في الرواية كانت (سولوفتشك) الشاب اليهودي الدميم الذي يعيش دائماً في عزلة ووحدة
،وأخيراً نرى الشخصية الوحيدة التي جمعت بين البراءة والعفوية وسذاجة الطبع وهي (لياليا) شقيقة (يوري) التي لم يكن يشغلها سوى حبها لخطيبها (ريزانتزيف)...
إن المؤلف قد وُفِّق في بروزة الشخوص وإضافة السمات المميزة لهم وهذا أجمل ما في الرواية...
،وقد غاب التأثير الديني عن حياة معظمهم..لذا عاشوا حياةً مُتخبِّطة خالية من الإيمان والهدف..مليئة بالملل والتشاؤم حتى أقدم بعضهم على الإنتحار..وقد كانت له دوافعه المُختلفة منها..الكآبة والحزن ،جرح الكبرياء وأيضاً القلق والفراغ
وقد تقرّرت مصائرهم جمعياً أثناء الرواية عدا (سانين)....منهم من انتحر ،ومن قضى عليه المرض ،ومن استسلم للظروف..لكنّ (سانين) قررأن يهرب من حياتهم الكئيبة..ويرحل إلى الطبيعة التي ظنّ أنه اعتنق مبادئها..فهو الوحيد من بينهم الذي كسب كل شيء ولم يفقد راحة باله وسعادته ونال كل ما يحلو له..لكن من قال أن الطبيعة بلا مبادئ أو قائمة على الفوضى..الطبيعة لها سنتها وقوانينها التي فرضها اللهُ عليها...فلا كائن يُجير على الآخر أو يُعرقل وظيفته..لكن (سانين) ظنّ عكس ذلك ورأى أن الطبيعة هي المتعة والحرية بلا حدٍّ أو رقيب...
ترك المؤلف مصير (سانين) مُبهماً..ولكن ما نهاية شخص مثله؟!! 
العِبرةُ دائماً بالخواتيم!!

*مُقتبسات*

- كثيراً ما يَخطر لي أن الظلام سيشتمل عليّ بعد قليل وإني سأُدفن في هذه الأرض الباردة ،وأن أنفي سيغورُ في وجهي وتتعفّنُ يداي..على حين يبقى كل شيء في الدنيا كما هو الآن..

- ورمى بعينيهِ إلى حيث كانت تموت تلك الضفدعة الصغيرة المِسكينة ،أو حيث ماتت بعد كربٍ وألمٍ هائليْن..فكأنما ماتت دنيا بأسرها وزهق عالمٌ برمتِّهِ ،فيالها من حياة مُفردة مُستقلة لقيت حتفها الشنيع ولم يُحسُّها أحدٌ..ولا سمع بها ديار..

- لا نعرف أيُّهما أعظم قيمة الشجرة أم الإنسان؟!! 

- ونحن أيضاً كهذه الفراشات نرتمي على النار ونحوم حول كل فكرةٍ برّاقة لنقضي نحبنا آخر الأمر، ونتَوّهم أن الفكرة هي مظهر إرادة الحياة، على حين ليست إلا النار التي تُذيب عقولَنا.. 

ندى
16-12-2014


 






الأحد، 14 ديسمبر، 2014

إني أُحبُّ...


إني أحبُّ...
وديدنُ الزمن..الغيابُ
والحبُّ شمسٌ حولها دارت ركابُ
وبرغم أحلامٍ تحاشاها
سفير الليل والذكرى
فإن الشمسَ يخشاها السرابُ
إني أُحبُّ...
ولستُ نادمةً
فخيطُ النور يتبعهُ انسيابُ...

ندى

الجمعة، 5 ديسمبر، 2014

الاثنين، 1 ديسمبر، 2014

أُماهُ عافتْ بحورُ الشِّعرِ تلْحيني


أُماهُ عافتْ بحورُ الشِّعرِ تلْحيني
وليتَ شِعري..لِمَ الأبياتُ تُشقيني؟!

والشِّعرُ منِّي..شِعابُ القلبِ..يَعرفُها
سُكناهُ في عصبي..في نسْجِ تَكْويني!

لكنْ تَضيقُ الحروفُ الباقياتُ هنا
في جُعبةِ الروحِ..عنْ إعصارعاطفتي..
عنْ نَزْفِ تلويْني

مقدوريَ الحرفُ يا أُمِّي..وإن غَرُبتْ
وَرْقاؤُهُ عن ضفافِ الوردِ والتِّيْنِ

لُغزُ القصيدِ غمامٌ يستبي أُفُقي
مُذْ لاح لي..وليالي السُّهدِ تطويني

ندى
2013

الخميس، 27 نوفمبر، 2014

ولنا في الشعر...حياة (1)




يقول الشاعر أبو القاسم الشابيّ:

ليتَ لي أن أعيشَ في هذه الدُّنـ    
                      ـيا سعيداً بوحدتي وانفرادي
   أصرفُ العمرَ في الجبالِ وفي الغا   
                            باتِ بين الصنوبرِ المَيَّادِ 
أرقبُ الموتَ والحياةَ ،وأُصغي    
                              لحديثِ الآزالِ والآبادِ
  لا أُعنِّي نفسي بأحزانِ شعبي          
                      فهْو حَيٌّ يعيشُ عيشَ الجمادِ
  هذه عيشةٌ تُقدِّسُها نفـ                     
                      ـسي وأدعو لمجدِها وأُنادي

دائماً ما يرى الإنسان سعادته في وجود الناس حوله ،فالإنسان الوحيد تعس..كئيب..لا يشعر لذةً في الحياة...
إذن مالذي جعل الشابي يعتقد العكس ،ويتصور السعادة في الوحدة والإنفراد؟!!
فهو يتمنى أن يقضيَ جلَّ عمره بين أحضان الطبيعة..ربما لشعوره بأنها تفهمه وتحتويه وتتجاوب معه أكثر من البشر المحيطين به ،والذي صورهم بـ (الجماد) في البيت الرابع.
وهنا تتجلّى رموز الطبيعة المُعبرة عن نفسية الشابي:
فـ (الجبال) رمز القوة والجلد والصبر
،و(الغابات) رمز التأمل وحب الإكتشاف لما فيها من استمراية الحياة وحركتها الدائمة لاختلاف كائناتها
،أما (الصنوبر) فهو رمز الجمال والكبرياء
كل ذلك لم يجده الشابي في البشر (الجمادات) أصحاب العقول المغلقة والنفوس الضيقة والحياة المكرورة..كما يراهم..
أما مسألة الموت والحياة فقد وقعت في دائرة التأمل أيضا ،والفعل (أرقب) يُشعرنا  بأن الشابي لا يأبه بالحياة بما فيها من أتراحٍ وأفراح..ولا يهاب الموت ولا متى ولا أين ولا كيف سيأتي..فالمسألة بالنسبة له تأملية يستنبط منها أن الحياة لا تستحق معاناة الإنسان فيها..طالما أن الموت سينهيها بكل الأحوال...
ويؤكد ذلك التجسيم باعتبار الآزال والآباد شخوص تروي له قصة البداية والنهاية بما أن (الأزل) أقصى البداية و(الأبد) أقصى النهاية ،إذن فالدنيا رواية كبرى تتكرر أشخاصها وأحداثها ولكن برؤىً مختلفة..والحكمة واحدة والناس لا تتعظ!!
هذه النزعة الفلسفية لدى الشابي تخرجه من تلك الحياة المادية البليدة التي يحياها الآخرون ،ولأنه مرهف الإحساس..قوي العاطفة..يتأثر بأحزان شعبه ويتعاطف معهم لدرجة تمني الإبتعاد عنهم ليحظى بالراحة النفسية..لكنه يرى في نفس الوقت أنهم يجلبون ذلك لأنفسهم..بسبب جمودهم وصمتهم وانقيادهم لأحزانهم فهم في نظره أحياء يأكلون ويشربون ،ويتناسلون..لكنهم قليلاً ما يفكرون..
وتلك مأساة شعوبنا التي تعرض لها الكثير من أدبائنا ومفكرينا ،فمتى نحيا لنفكِّر؟!!!


ندى